في وقت تتسابق فيه المؤسسات المالية عالميًا لإعادة هيكلة نماذج أعمالها تحت ضغط التحول الرقمي وارتفاع تكاليف التشغيل، يبرز الذكاء الاصطناعي كأحد أهم أدوات تحسين الربحية ورفع الكفاءة التشغيلية في القطاع المصرفي. فبدلًا من النظر إلى الاستثمار التقني كعبء رأسمالي طويل الأجل، بدأت البنوك تنظر إليه كوسيلة مباشرة لتعزيز العائد على الاستثمار (ROI) من خلال خفض الأخطاء، وتسريع العمليات، وتحسين جودة القرارات الائتمانية وإدارة المخاطر. وفي هذا السياق، تظهر دولة الإمارات كنموذج إقليمي متقدم، حيث تتجه المؤسسات المالية إلى توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول ومدروس يوازن بين النمو والامتثال والأمن، ما يعكس تحولًا من الابتكار التجريبي إلى الابتكار المرتبط بالعائد الاقتصادي المستدام.
و كشفت دراسة عالمية حديثة صادرة عن شركة فيناسترا Finastra أن المؤسسات المالية في دولة الإمارات دخلت مرحلة متقدمة من التبني التشغيلي للذكاء الاصطناعي، في تحول يعكس نضجًا تقنيًا واستراتيجيًا يعيد تشكيل أولويات القطاع المالي، ويضع الكفاءة التشغيلية والأمن والموثوقية في قلب خطط التطوير المستقبلية.
من التجريب إلى التطبيق
لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي محصورًا في المبادرات التجريبية أو المختبرات الابتكارية، بل أصبح جزءًا من البنية التشغيلية اليومية. ويعكس هذا التحول تغيرًا في عقلية المؤسسات من اختبار الإمكانات إلى تحقيق قيمة اقتصادية قابلة للقياس.
في هذا السياق، أظهرت الدراسة أن 98% من المؤسسات المالية عالميًا تستخدم الذكاء الاصطناعي بدرجات متفاوتة، بينما تراجعت نسبة غير المستخدمين إلى 2% فقط.
وفي الإمارات، يتجلى الاستخدام العملي للتقنية في مجالات تشغيلية مباشرة:
-
53% من المؤسسات توظف الذكاء الاصطناعي لتحسين الدقة وتقليل الأخطاء
-
44% تستخدمه لخفض التكاليف التشغيلية
-
التركيز يتجه نحو تعزيز الكفاءة والموثوقية وجودة التنفيذ بدل التجارب المحدودة
الأمن السيبراني في الصدارة
مع توسع الاعتماد على الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي، بات الأمن السيبراني عنصرًا حاسمًا في استدامة التحول الرقمي. فكل توسع تقني يقابله احتياج مضاعف لحماية البيانات وضمان الامتثال للمعايير التنظيمية المتشددة.
وتشير نتائج الدراسة إلى توجه واضح نحو رفع الإنفاق الأمني:
-
المؤسسات المالية عالميًا تتوقع زيادة استثمارات الأمن بنسبة 40% خلال العام الجاري
-
في الإمارات، 9 من كل 10 مؤسسات مالية تخطط لزيادة إنفاقها على الأمن خلال 12 شهرًا المقبلة
التحديث التقني
لا يمكن توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي دون بنية تقنية حديثة قادرة على معالجة البيانات بكفاءة ودمج الأنظمة الجديدة بسلاسة. لذلك أصبح تحديث الأنظمة المصرفية الأساسية أولوية استراتيجية وليس خيارًا تقنيًا مؤجلًا.
وتدعم الأرقام هذا التوجه بوضوح 87% من المؤسسات المالية عالميًا تخطط للاستثمار في التحديث خلال العام المقبل
وتبرز الإمارات كأحد أكثر الأسواق نشاطًا في هذا المجال، ما يمنح مؤسساتها قدرة أعلى على نشر التقنيات الذكية بسرعة وأمان.
تفاؤل مرتفع رغم التحديات العالمية
في ظل بيئة اقتصادية عالمية معقدة، تلعب التكنولوجيا دورًا في تعزيز الثقة المستقبلية داخل القطاع المالي. ويعكس التفاؤل المرتفع إدراك المؤسسات لقدرتها على التكيف من خلال التحول الرقمي.
-
87% من التنفيذيين أعربوا عن تفاؤلهم الشخصي
-
86% متفائلون بشأن مستقبل مؤسساتهم
قال كريس وولترز، الرئيس التنفيذي لشركة فيناسترا: المؤسسات المالية في الإمارات تجاوزت مرحلة التجريب، وتركز اليوم على الذكاء الاصطناعي المسؤول، والتحديث، والأمن لتقديم خدمات مالية موثوقة. النجاح لم يعد يقاس بسرعة الابتكار، بل بموثوقية التنفيذ.
الأثر الاقتصادي للتحول التقني
التحول نحو الذكاء الاصطناعي والتحديث لا يقتصر على البعد التقني، بل ينعكس مباشرة على الأداء المالي للمؤسسات، حيث يساهم في رفع الكفاءة وتعزيز الربحية على المدى المتوسط والطويل.
ومن أبرز المكاسب المتوقعة تقليل الأخطاء التشغيلية، خفض التكاليف طويلة المدى، تسريع إنجاز المعاملات، تحسين قرارات الإقراض وإدارة المخاطر، رفع مستوى رضا العملاء.



