في ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو الاقتصاد الأخضر، باتت قضية التحول العادل للطاقة واحدة من أهم الملفات الاقتصادية والتنموية في مصر، ليس فقط من منظور بيئي، بل باعتبارها فرصة استراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصاد المحلي وتعزيز العدالة الاجتماعية وخلق فرص العمل. وفي هذا السياق، برزت الطاقة المتجددة اللامركزية كأحد الحلول الواعدة التي يمكن أن تعيد توزيع القيمة الاقتصادية على المجتمعات المحلية، وتدعم التنمية المستدامة في المناطق المهمشة.
ومن هذا المنطلق، استضافت الجامعة الأمريكية بالقاهرة جلسة حوارية موسعة بعنوان «الطاقة المتجددة اللامركزية كمسار نحو الانتقال العادل للطاقة في مصر»، بتنظيم مشترك بين برنامج مسارات لما بعد النيوليبرالية، ومنظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وشبكة الاقتصاد الاجتماعي والتعاوني في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بمشاركة خبراء وصناع سياسات وأكاديميين ونشطاء بيئيين.
التحول العادل للطاقة
يمثل التعاون بين المؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني وصناع القرار أحد أهم العوامل التي تضمن نجاح التحولات الاقتصادية الكبرى، خاصة في القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية مثل الطاقة.
أكد الدكتور عمرو عدلي، ممثل برنامج مسارات لما بعد النيوليبرالية، أن الحدث يعكس نموذجًا للتعاون المخطط الذي يجمع الخبراء والمستثمرين والنشطاء وصناع السياسات لإعادة التفكير في مسار التحول الطاقي مع وضع الاعتبارات الاجتماعية والنوع الاجتماعي في صميم العملية. وأوضح أن النقاشات لا تستهدف فقط تبادل المعرفة، بل بناء شبكات عمل مستقبلية تدعم السياسات العادلة للطاقة في المنطقة.
الطاقة اللامركزية فرصة اقتصادية وتنموية
لم تعد الطاقة المتجددة مجرد أداة لتحقيق أهداف المناخ، بل تحولت إلى محرك اقتصادي قادر على خلق القيمة محليًا وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية للمجتمعات.
وأوضحت غوى النكت، المديرة التنفيذية لمنظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن الانتقال العادل يمثل مسارًا تنمويًا متكاملًا يربط العمل المناخي بالاستقرار الاجتماعي والفرص الاقتصادية، مشيرة إلى أن أنظمة الطاقة اللامركزية — مثل الطاقة الشمسية على الأسطح والمشروعات المجتمعية — يمكن أن تسهم في خلق فرص عمل، وتحفيز المشروعات الصغيرة، وتعزيز سبل العيش في المجتمعات المحلية.
كما شددت على أن هذه النماذج قادرة على دعم الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والمياه المستدامة، بما يرسخ مفهوم السيادة الطاقية والتنمية الشاملة.
الإطار التشريعي للطاقة المتجددة في مصر
نجاح أي تحول اقتصادي يعتمد على وجود بيئة تشريعية وتنظيمية داعمة، وهو ما كان محورًا رئيسيًا للنقاش خلال الجلسة.
استعرض أحمد السعيدي، مدير المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، الإطار القانوني الحالي للطاقة المتجددة اللامركزية في مصر، بما يشمل التعرفة الصافية، وآليات الربط بالشبكة، ومتطلبات الترخيص، إضافة إلى الإصلاحات التنظيمية المرتقبة. وأشار إلى أن تطوير السياسات يمكن أن يفتح المجال أمام استثمارات محلية أوسع ويشجع الابتكار المجتمعي في قطاع الطاقة.
الفرص والتحديات
الخبرات الميدانية تعد مؤشرًا واقعيًا لمدى قابلية تطبيق النماذج الاقتصادية الجديدة، وهو ما عكسته مشاركات المزارعين والتعاونيات والأسر والمشروعات الصغيرة خلال النقاش.
تناولت الجلسات الدوافع الاقتصادية لاعتماد الطاقة المتجددة، وخطوات التنفيذ، والمنافع المالية والاجتماعية، إلى جانب التحديات المرتبطة بالتمويل والتشريعات والبنية التحتية. كما ناقش المشاركون الثغرات القانونية الحالية وأفضل الممارسات الدولية التي يمكن مواءمتها مع السياق المصري.
المبادرات المحليةو السياسات الوطنية
الانتقال من التجارب المحدودة إلى الانتشار الواسع يتطلب تكاملًا بين السياسات الحكومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
ناقش المشاركون العوامل الممكنة لتوسيع انتشار الطاقة المتجددة اللامركزية، بما يشمل تحسين البيئة التنظيمية، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، وتطوير نماذج تمويل مبتكرة، إضافة إلى تعزيز الشراكات بين الحكومة والمؤسسات المدنية.
واختُتمت الجلسة بوضع توصيات سياساتية وخارطة طريق مستقبلية تتضمن إطلاق مشروعات تجريبية، وتنظيم ورش عمل متابعة، ودمج النتائج في مسارات عمل مستمرة بين الجهات المنظمة.
حضور رفيع يشجع علي النقاش
شهد الحدث مشاركة عدد من الشخصيات العامة وصناع القرار، من بينهم الدكتور أشرف العربي، رئيس معهد التخطيط القومي وعضو مجلس إدارة جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، والمستشار أحمد جلال المستشار القانوني لوزارة الزراعة، والنائبة الدكتورة أميرة صابر عضو مجلس الشيوخ، والنائبة مها عبد الناصر عضو مجلس النواب، وهو ما أضفى ثقلًا مؤسسيًا على الحوار وعزز فرص تحويل التوصيات إلى سياسات عملية.
توصيات وخطوات
أكدت إنجي مصطفى حجازي في الكلمة الختامية التزام الجهات المشاركة بمواصلة التعاون وإعداد وثيقة توصيات مشتركة لدعم انتشار الطاقة المتجددة اللامركزية في مصر، مع استمرار جهود المناصرة وبناء الشراكات المؤسسية.
ناقشت جلسة حوارية عقدت في الجامعة الأمريكية بالقاهرة مستقبل الطاقة المتجددة اللامركزية في مصر باعتبارها مسارًا لتحقيق الانتقال العادل للطاقة، بمشاركة خبراء وصناع سياسات ومنظمات دولية. وركزت المناقشات على الفرص الاقتصادية والاجتماعية للنماذج اللامركزية، والتحديات التنظيمية، وآليات التوسع، مع الخروج بتوصيات سياساتية وخطط تعاون مستقبلية لدعم التحول الطاقي المستدام في مصر.




