في خطوة تعكس توجهاً وطنياً متصاعداً نحو ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة، أعلنت لجنة ذوي الهمم بمجلس أمناء مدينة حدائق أكتوبر عن إطلاق مبادرة استراتيجية تستهدف تحسين بيئة الخدمات والبنية التحتية بما يضمن سهولة الحركة والوصول للمواطنين من ذوي الهمم.
المبادرة تأتي استناداً إلى توجيهات عبد الفتاح السيسي بشأن دعم وتمكين المواطنين من ذوي الهمم، وتحويل هذا الدعم من إطار شعاراتي إلى إجراءات تنفيذية ملموسة على مستوى المدن الجديدة.
من زاوية اقتصادية، لا تمثل هذه الخطوة مجرد إجراء خدمي، بل تعد استثماراً مباشراً في رأس المال البشري، وتعزيزاً لكفاءة المنظومة الإدارية والخدمية، بما ينعكس على معدلات الإنتاجية والمشاركة المجتمعية.
أولاً: شباك الخدمة الموحد.. كفاءة إدارية وتقليل تكلفة الوقت
رؤية تنفيذية لتحسين تجربة المتعاملين
ضمن المرحلة الأولى من المبادرة، يجري العمل على تخصيص «شباك خدمة موحد» داخل المركز التكنولوجي بمدينة حدائق أكتوبر، مخصص لتقديم الخدمات لذوي الهمم، بهدف اختصار الدورة الإجرائية وتقليل الحاجة إلى التنقل بين الطوابق أو المكاتب المختلفة.
اقتصادياً، يسهم هذا التوجه في تقليل زمن إنجاز المعاملات، خفض التكلفة غير المباشرة المرتبطة بالتنقل، تحسين مستوى رضا المواطنين عن الخدمات الحكومية، رفع كفاءة الأداء المؤسسي داخل الجهاز الإداري.
وتؤكد التجارب الدولية أن تحسين سهولة الوصول إلى الخدمات يعزز من معدلات الامتثال القانوني ويزيد من كفاءة تحصيل الرسوم والخدمات، ما يدعم الموارد المحلية للمدن الجديدة.
ثانياً: مدينة بلا حواجز.. الاستثمار في البنية التحتية الشاملة
حصر المرافق وتطبيق «كود الإتاحة»
بدأت اللجنة فعلياً في حصر المرافق والخدمات التي تفتقد إلى تطبيق كود الإتاحة، تمهيداً لإجراء تعديلات هندسية وفق جدول زمني محدد. ويشمل ذلك المداخل، الأرصفة، المصاعد، دورات المياه، ومسارات الحركة داخل المنشآت الحكومية وغير الحكومية.
ويستند مفهوم الإتاحة إلى معايير التصميم الشامل (Universal Design)، التي تهدف إلى تمكين جميع فئات المجتمع من استخدام المرافق دون عوائق.
من الناحية الاقتصادية، فإن تطوير البنية التحتية وفق كود الإتاحة يحقق زيادة مشاركة ذوي الهمم في سوق العمل، و تعزيز النشاط التجاري نتيجة سهولة وصول العملاء، وكذلك رفع القيمة الاستثمارية والعمرانية للمدينة، تقليل النفقات المستقبلية الناتجة عن التعديلات العشوائية.
ووفقاً لتقارير صادرة عن البنك الدولي، فإن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة ودمجهم اقتصادياً يسهم بشكل مباشر في رفع الناتج المحلي وتحسين مؤشرات التنمية المستدامة.
تعديلات هندسيةو ثقافة عمرانية
أكد إبراهيم ماهر، رئيس لجنة ذوي الهمم بمجلس أمناء حدائق أكتوبر، أنه لمس تعاوناً واضحاً من جهاز المدينة ودعماً من مجلس الأمناء لتعميم الفائدة، مشدداً على أن الإتاحة «حق كفله القانون» وليست منحة استثنائية.
وأوضح أن الهدف لا يقتصر على تنفيذ تعديلات محدودة، بل يتجاوز ذلك إلى بناء ثقافة عمرانية جديدة تضمن حرية الحركة والاستقلالية الكاملة لكل فرد، داعياً المسؤولين التنفيذيين ورؤساء المدن على مستوى الجمهورية إلى تعميم مراعاة معايير الإتاحة في كافة المنشآت مستقبلاً.
هذا الطرح يعكس تحولاً من مفهوم الرعاية إلى مفهوم التمكين، ومن الاستجابة الجزئية إلى التخطيط الاستباقي طويل المدى.
الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للمبادرة
1. تمكين سوق العمل
تحسين الإتاحة يسهم في دمج شريحة أوسع من المواطنين في سوق العمل، ما يرفع معدلات الإنتاجية ويقلل الاعتماد على برامج الدعم.
2. جذب استثمارات مسؤولة اجتماعياً
المدن التي تراعي معايير الإتاحة تصبح أكثر جاذبية للمستثمرين الذين يتبنون معايير الحوكمة والمسؤولية المجتمعية (ESG).
3. تحسين جودة الحياة
سهولة الحركة والوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية والإدارية ترفع من مستوى الرفاه الاجتماعي وتقلل الفجوات المجتمعية.
4. تعزيز سمعة المدن الجديدة
تحول حدائق أكتوبر إلى نموذج تطبيقي للإتاحة يعزز مكانتها بين مدن الجيل الجديد، ويدعم توجه الدولة نحو مدن ذكية ومستدامة.
تقع مدينة حدائق أكتوبر غرب محافظة الجيزة، وتعد امتداداً عمرانياً حديثاً ضمن نطاق السادس من أكتوبر، وتشهد توسعاً عمرانياً واستثمارياً متسارعاً في القطاعات السكنية والخدمية والتعليمية. وتستهدف المدينة استيعاب كثافات سكانية متزايدة ضمن رؤية الدولة للتوسع العمراني المتوازن.
مبادرة «مدينة متاحة.. طموح يسع الجميع» لا تمثل مجرد مشروع خدمي محلي، بل تعكس تحولاً في فلسفة إدارة المدن الجديدة في مصر، من التركيز على التوسع العمراني فقط إلى تبني مفهوم المدينة الدامجة اقتصادياً واجتماعياً.
وفي حال تعميم هذا النموذج على مستوى الجمهورية، فقد يشكل نقطة تحول حقيقية في دمج ذوي الهمم داخل الدورة الاقتصادية، بما ينعكس إيجاباً على مؤشرات النمو والاستدامة وجودة الحياة.




