في وقتٍ يمر فيه العالم بتحولات رقمية جذرية تعيد تشكيل مفاهيم الاستهلاك الثقافي، تبرز قيمة “الكتاب” ليس فقط كوعاء للفكر، بل كأصل استراتيجي في تاريخ الاقتصاد المعرفي. ومن قلب القاهرة، وتحديداً من معهد “ثربانتس”، تتجدد الرحلة مع الكاتبة الإسبانية إيريني باييخو في احتفالية اليوم العالمي للكتاب 2026. هذا اللقاء ليس مجرد ندوة أدبية، بل هو استقراء لعمق “صناعة الأفكار” التي بدأت من برديات مصر القديمة وصولاً إلى المنصات الرقمية المعاصرة، مسلطاً الضوء على الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لاستدامة القراءة في عصر يتسم بـ “تضخم المعلومات” وتراجع التركيز البشري.
الإسكندرية.. الحاضنة الأولى لسلاسل التوريد المعرفية
تعد أعمال باييخو، وخاصة كتابها ذائع الصيت “اللامتناهي في بردية”، دراسة تحليلية لتاريخ إنتاج المعرفة. فالكتاب يستعرض كيف تحولت الإسكندرية إلى مركز ثقل عالمي ليس فقط في التدوين، بل في مأسسة تداول الكتب كسلعة ثقافية عابرة للحدود.
-
جسر الحضارات: يتناول اللقاء، الذي تديره المترجمة أسماء جمال عبد الناصر بمشاركة المترجم مارك جمال، دور الكتاب كأداة للتبادل الثقافي التي تمثل “القوة الناعمة” في العلاقات الاقتصادية بين الشعوب.
-
القيمة التراكمية للمعرفة: يُظهر العمل كيف ساهم انتقال “اللفافات والبرديات” في خلق تراكم معرفي أدى إلى النهضات العلمية المتلاحقة، مما يؤكد أن الاستثمار في الكتاب هو استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري.
“المانيفيستو” في مواجهة التسارع الرقمي
مع صدور الترجمة العربية لكتاب “مانيفيستو القراءة”، تنتقل باييخو من تحليل “تاريخ الوسيط” إلى تحليل “سلوك المستهلك/القارئ”. في عالم يسيطر عليه اقتصاد الانتباه (Attention Economy)، تطرح الكاتبة رؤية نقدية لمدى قدرة الكتاب الورقي والعميق على الصمود أمام تدفق المعلومات السطحية.
-
فعل المقاومة الاقتصادي: يُنظر إلى القراءة في هذا السياق كفعل “مقاومة” ضد استهلاك المحتوى السريع، حيث تعيد صياغة الوعي الفردي بعيداً عن ضغوط الخوارزميات الرقمية التي تشتت التركيز المعرفي.
-
بناء الوعي كأداة تنمية: تؤكد باييخو أن تعزيز المخيلة من خلال القراءة ليس رفاهية، بل هو ضرورة لتنمية مهارات التفكير النقدي وإعادة تفسير الواقع، وهي مهارات أساسية في سوق العمل الحديث الذي يتطلب الابتكار الدائم.
دور المؤسسات الثقافية في تحفيز القيمة المضافة
تأتي فعالية معهد ثربانتس (الخميس 23 أبريل في الدقي) لتؤكد على الدور المحوري للمراكز الثقافية الدولية في دعم “صناعة النشر” المحلية والعالمية. إن فتح باب النقاش حول مكانة القراءة اليوم يعكس حاجة المجتمعات إلى إعادة تقييم علاقتها بالكتاب كمدخل للتفاعل الإنساني العميق.
-
تفاعل الجمهور: يمثل اللقاء فرصة لتحليل دوافع القراءة في السياق المعاصر، وكيف يمكن تحويل القراءة من ممارسة فردية إلى محرك مجتمعي لبناء مجتمعات المعرفة.
-
الترجمة كقيمة مضافة: يبرز دور المترجمين في هذا اللقاء كمحركين أساسيين في “تجارة الأفكار”، حيث تساهم الترجمة في فتح أسواق جديدة للفكر الإسباني في المنطقة العربية، والعكس صحيح.
يعكس لقاء “إيريني باييخو” في القاهرة تقاطع التاريخ مع استراتيجيات المعرفة الحديثة. فمن خلال تتبع رحلة الكتاب من البردية المصرية إلى المانيفيستو المعاصر، يستشرف التقرير مستقبل صناعة النشر في ظل التحديات الرقمية، مؤكداً أن القراءة تظل الركيزة الأساسية لتكوين رأس المال الفكري والمقاومة الواعية ضد تشتت الاقتصاد الرقمي.

