في وقت تشهد فيه دول مجلس التعاون الخليجي طفرة إنشائية وتنموية غير مسبوقة، تبرز الحاجة إلى تجاوز المفاهيم التقليدية للهندسة نحو آفاق “الحوكمة المعرفية” وإدارة الأصول المعقدة.
وفي هذا السياق، أطلقت شركة “أتكنز رياليس” (AtkinsRéalis) العالمية، بالتعاون مع معهد المهندسين المدنيين (ICE)، النسخة الثانية من سلسلة محاضرات “ما بعد الهندسة” (Beyond Engineering).
هذا التحرك لا يعد مجرد فعالية مهنية، بل هو استجابة استراتيجية لضغوط الكفاءة التشغيلية والمرونة التي تفرضها المشروعات العملاقة (Giga-projects) في المنطقة.
سياق الاقتصاد الكلي: البنية التحتية كمحفز للنمو المستدام
تنتقل المنطقة اليوم من مرحلة “بناء” الأصول إلى مرحلة “تعظيم القيمة” منها، ومع تسارع الخطط الوطنية لتنويع مصادر الدخل، أصبح الاستثمار في البنية التحتية الذكية والمترابطة حجر الزاوية في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وتعكس مبادرة “ما بعد الهندسة” هذا التحول عبر إيجاد منصة تجمع بين الخبرة الفنية والرؤية الاستراتيجية، لمواجهة تحديات التوسع المتسارع وضمان أن تكون الاستثمارات الرأسمالية الضخمة قادرة على مواكبة المتغيرات المستقبلية والالتزامات البيئية والاستدامة.
“منظومات تنقل” متكاملة
ركزت المناقشات الافتتاحية في دبي على قطاع الطيران، تحت عنوان “مستقبل التنقل يبدأ من المطار”.
في السياق نفسه وفي اطار اقتصادي لهذا القطاع يشير إلى أن المطارات في دولة الإمارات، التي تستقبل نحو 135 مليون مسافر سنوياً، لم تعد مجرد نقاط انطلاق وهبوط، بل تحولت إلى “مدن مطارات” (Aerotropolis) تؤثر بشكل مباشر في سلاسل الإمداد، النشاط السياحي، وتجربة المستخدم النهائي.
هذا التحول يفرض على المستثمرين وصناع القرار النظر إلى المطارات كمنظومات تنقل حضرية متكاملة تتجاوز حدودها التشغيلية التقليدية، مما يتطلب استراتيجيات إدارة أصول تعتمد على البيانات والتكامل التقني.
ضرورة التخطيط المبكر وتكامل سلسلة القيمة
أجمع خبراء من شركات رائدة مثل “أتكنز رياليس”، “إيكوم”، و”بارسونز” على أن “التخطيط الدقيق منذ المراحل الأولى” هو الضمانة الوحيدة لتحويل الطموحات الاستراتيجية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ (Bankable Projects).
من المنظور الاستثماري، يقلل التنسيق المبكر بين مختلف الجهات الفاعلة من مخاطر التنفيذ ويزيد من الكفاءة الرأسمالية.
إن تعزيز مستويات التوافق بين القطاعين العام والخاص، وتبني آليات واضحة لاتخاذ القرار عبر سلسلة القيمة، يعد ضرورة حتمية لضمان استمرارية الأداء في ظل العمل بكامل الطاقة الاستيعابية للمرافق الحيوية.
الشراكة بين الفكر المهني والتنفيذ الميداني
تمثل الشراكة بين “أتكنز رياليس” ومعهد المهندسين المدنيين (ICE) نموذجاً لربط المعايير العالمية بالتحديات الواقعية في سوق الخليج. فالمعهد، بعراقته التي تمتد لقرنين، يوفر الغطاء المعرفي والحوكمة الفنية، بينما تقدم “أتكنز رياليس” الخبرة الميدانية في إدارة المشاريع المعقدة.
هذا التكامل يمنح صناع القرار ثقة أكبر في أن البنية التحتية المنفذة ستتسم بالأمان والموثوقية، مع ضمان تحقيق قيمة اقتصادية ومجتمعية طويلة الأمد، وهو ما يبحث عنه المستثمر المؤسسي في مشروعات البنية التحتية الكبرى.
مستقبل البنية التحتية في الشرق الأوسط مرهون بالقدرة على الابتكار في طرق التنفيذ والتعاون الاستراتيجي.
المطارات والبنى التحتية الحيوية لم تعد أصولاً ثابتة، بل هي محركات نمو مرنة تتطلب إدارة ذكية وتكاملاً بين التكنولوجيا والتصميم الهندسي. المرحلة المقبلة ستشهد تفوق الكيانات التي تتبنى مفهوم “ما بعد الهندسة” لتحقيق استدامة تشغيلية ومالية بعيدة المدى.



