في وقت تتنافس فيه العواصم الإقليمية على جذب مراكز التأثير وصناعة القرار الدولي، تستضيف القاهرة النسخة السابعة من منتدى موزاييك الدولي للشؤون الاستراتيجية خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو المقبل، بتنظيم من مجموعة إم أند بي، في خطوة تعكس تحولًا متسارعًا في موقع مصر داخل خريطة الدبلوماسية الاقتصادية الإقليمية وصناعة السياسات العابرة للحدود.
ويأتي الحدث بالتزامن مع احتفال المجموعة بمرور عشر سنوات على تأسيسها، وهو تزامن يحمل دلالات تتجاوز البعد الاحتفالي، ليعكس صعود شركات مصرية متخصصة في مجالات السياسات العامة والعلاقات الحكومية والاتصال الاستراتيجي إلى أدوار إقليمية مؤثرة، في وقت أصبحت فيه هذه القطاعات جزءًا من البنية غير المرئية لجذب الاستثمار وإدارة العلاقات الاقتصادية الدولية.
بنية جديدة لجذب الاستثمار
لم تعد مؤتمرات السياسات العامة والعلاقات الحكومية مجرد فعاليات بروتوكولية، بل تحولت عالميًا إلى منصات لصناعة التوافقات الاقتصادية وتوجيه تدفقات الاستثمار وبناء شبكات النفوذ المؤسسي بين الحكومات والشركات متعددة الجنسيات.
ومن هذا المنطلق، يكتسب انعقاد منتدى موزاييك في القاهرة أهمية خاصة، باعتباره أكبر تجمع دولي لشركات السياسات العامة والعلاقات الحكومية،
بمشاركة ممثلين وقيادات من أسواق تمتد عبر أوروبا وأفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، تشمل المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وألمانيا، والهند، والإمارات، والسعودية، وجنوب أفريقيا، ونيجيريا، وكوريا الجنوبية، وفرنسا، وسويسرا.
هذا التنوع الجغرافي لا يعكس فقط حجم الحدث، بل يشير إلى موقع مصر المتنامي كنقطة تقاطع للمصالح الاقتصادية والدبلوماسية بين أفريقيا والشرق الأوسط والأسواق الدولية، خصوصًا في ظل إعادة تشكيل سلاسل النفوذ والاستثمار عالميًا بعد سنوات من الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية.
القوة الناعمة الاقتصادية..
اختيار القاهرة لاستضافة المنتدى يسلط الضوء على تحول مفهوم “القوة الناعمة” من أدوات ثقافية وإعلامية تقليدية إلى أدوات أكثر ارتباطًا بالاقتصاد وصناعة السياسات الدولية.
فالمنتدى يجمع مؤسسات وشخصيات لها تأثير مباشر في دوائر صنع القرار والأسواق الوطنية والإقليمية، نظرًا لدورها الاستشاري لكبرى الشركات العالمية والمستثمرين والمؤسسات الدولية.
وهو ما يمنح مصر فرصة لتعزيز حضورها ليس فقط كمركز استثماري، بل كمنصة للحوار الاقتصادي وصناعة التوافقات الإقليمية.
كما أن إقامة الاحتفالية الرئيسية للمجموعة داخل المتحف المصري الكبير تحمل رسالة رمزية تتعلق بدمج القوة الحضارية مع الحضور الاقتصادي والدبلوماسي، في محاولة لتقديم نموذج متكامل للقوة الناعمة المصرية الحديثة.
السياسات العامة أصل اقتصادي
النمو الذي حققته مجموعة إم أند بي خلال عقد واحد يعكس تحول قطاع السياسات العامة والاتصال الاستراتيجي إلى صناعة قائمة بذاتها داخل المنطقة.
فالشركات العاملة في هذا المجال لم تعد تؤدي دورًا تقليديًا يقتصر على إدارة العلاقات المؤسسية أو التواصل الحكومي، بل أصبحت شريكًا استراتيجيًا في تسهيل الاستثمارات، وإدارة المخاطر التنظيمية، وصياغة استراتيجيات التوسع الإقليمي للشركات متعددة الجنسيات.
وتشير توسعات المجموعة في القاهرة والرياض ودبي وإسطنبول وتونس وبريتوريا إلى أن الطلب الإقليمي على خدمات السياسات العامة يشهد نموًا متسارعًا، مدفوعًا بتعقيد البيئة التنظيمية، وتزايد أهمية الامتثال، والحاجة إلى فهم ديناميكيات الأسواق المحلية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
أفريقيا في قلب التحولات الاقتصادية الجديدة
المشاركة الواسعة لوفود دبلوماسية أفريقية، وفي مقدمتها اللجنة التنفيذية لرابطة السفراء الأفارقة، تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية أفريقيا كساحة رئيسية لإعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية والاستثمارية خلال السنوات المقبلة.
وتسعى القاهرة عبر هذا النوع من الفعاليات إلى تعزيز موقعها كبوابة استراتيجية للتواصل بين المستثمرين الدوليين والأسواق الأفريقية، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وشبكاتها الدبلوماسية، واتفاقياتها التجارية مع القارة.
وفي ظل التنافس الإقليمي على استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فإن استضافة منصات حوار دولية ذات طابع اقتصادي وسياسي تمنح مصر أدوات إضافية لتعزيز تنافسيتها خارج الأطر التقليدية المرتبطة بالحوافز المالية والبنية التحتية فقط.
القاهرة مركز إقليمي لصناعة السياسات
انعقاد المنتدى في نسخته السابعة بالقاهرة يطرح سؤالًا أوسع حول مستقبل مصر كمركز إقليمي لصناعة السياسات العامة والعلاقات الحكومية، خاصة مع تنامي دور هذه الصناعات في الاقتصاد العالمي.
فمع توسع الشركات متعددة الجنسيات في الأسواق الناشئة، أصبحت الحاجة متزايدة إلى منصات قادرة على الربط بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية، وهو ما يخلق فرصًا اقتصادية غير مباشرة تتعلق بالاستشارات، وإدارة المخاطر، والدبلوماسية التجارية، والاتصال الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، يبدو أن القاهرة تحاول بناء موقع جديد يتجاوز كونها سوقًا استهلاكية أو مركزًا إداريًا، لتصبح جزءًا من البنية الإقليمية المؤثرة في صياغة التوجهات الاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.