في وقت تتصاعد فيه المنافسة العالمية على أدوات التأثير الثقافي وتوسيع النفوذ الناعم، تواصل المؤسسات الثقافية الأوروبية توظيف السينما كأداة استراتيجية لإعادة بناء الحضور الجماهيري في الأسواق العربية، خصوصًا في المدن ذات الثقل الثقافي مثل القاهرة.
وفي هذا السياق، يستضيف معهد ثربانتس عرض الفيلم الإسباني Miocardio مساء الأربعاء 20 مايو، ضمن برنامج “العودة للسينما.. نادي السينما التشاركي”، في خطوة تعكس تحولات أوسع تتجاوز النشاط الثقافي التقليدي نحو إعادة تنشيط الاقتصاد الإبداعي وربط الجمهور المحلي بموجات السينما الأوروبية المعاصرة.
السينما الأوروبية والجمهور العربي
الفعالية التي تُقام بمقر المعهد في الدقي، وتُعرض خلالها النسخة الإسبانية من الفيلم مترجمة إلى العربية مع تقديم ثنائي اللغة، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد عرض فني مجاني، بل باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة بناء العلاقة بين المؤسسات الثقافية الأوروبية والجمهور العربي بعد سنوات من التحول الرقمي والانكماش النسبي لدور السينما التقليدية.
ويأتي اختيار فيلم حديث الإنتاج مثل “Miocardio”، الذي أخرجه خوسيه مانويل كاراسكو وعُرض لأول مرة في مهرجان إشبيلية خلال نوفمبر 2024 قبل إطلاقه تجاريًا في يناير 2025، ليعكس رغبة واضحة في تقديم محتوى معاصر وليس أرشيفيًا، بما يعزز صورة السينما الإسبانية كصناعة حية وقادرة على المنافسة خارج حدودها المحلية.
“Miocardio”.. دراما إنسانية تراهن على الاقتصاد العاطفي
ينتمي الفيلم إلى فئة الدراما الإنسانية الممتدة لـ77 دقيقة، لكنه في بنيته السردية يعكس أحد الاتجاهات المتنامية في السينما الأوروبية المعاصرة، وهو الاستثمار في “الاقتصاد العاطفي” للأعمال الفنية؛ أي تلك الأفلام التي تعتمد على العمق النفسي والتوترات الشخصية باعتبارها عناصر قادرة على خلق ارتباط طويل الأمد مع الجمهور.
تدور الأحداث حول “بابلو”، الذي يجسد دوره فيتو سانز، وهو رجل يعيش أزمة وجودية حادة قبل أن يتلقى اتصالًا مفاجئًا من حبيبته السابقة “آنا”، التي تؤدي دورها مارينا سالاس، بعد انقطاع دام خمسة عشر عامًا.
وخلال يوم واحد فقط، تتحول المواجهة إلى رحلة مكثفة تستعيد أسئلة الحب والخيانة والندم والفرص الثانية، في معالجة تعتمد على البناء النفسي أكثر من الحدث التقليدي.
ويشارك في البطولة أيضًا لويس كاييخو وبيلار بيرغيس، بما يعزز الطابع التمثيلي المركّز للفيلم، وهو الأسلوب المعروف عن المخرج كاراسكو الذي يميل إلى تفكيك العوالم الداخلية للشخصيات بدلًا من الاعتماد على الإيقاع التجاري السريع.
“العودة للسينما”.. إحياء تجربة المشاهدة الجماعية
اللافت في الحدث ليس الفيلم وحده، بل البرنامج الذي يندرج تحته. فمبادرة “العودة للسينما. نادي السينما التشاركي” تعكس إدراكًا متزايدًا لدى المؤسسات الثقافية بأن منصات البث الرقمي، رغم توسعها، أضعفت البعد الاجتماعي لتجربة المشاهدة.
ومن هنا، يبدو أن معهد ثربانتس يراهن على استعادة نموذج “المشاهدة الجماعية” باعتباره قيمة ثقافية في حد ذاته، خاصة في بيئة مثل القاهرة التي تمتلك تاريخًا طويلًا مع صالات العرض والنوادي السينمائية.
هذا التوجه ينسجم مع تحولات عالمية تشهدها صناعة السينما، حيث بدأت مؤسسات ثقافية ومهرجانات دولية في إعادة تقديم العروض الحية كمساحات للنقاش والتفاعل المجتمعي، وليس فقط لاستهلاك المحتوى.
القوة الناعمة والاستثمار الثقافي في المنطقة
تنظيم عروض سينمائية أوروبية مجانية في القاهرة يعكس أيضًا البعد الاقتصادي غير المباشر للصناعات الثقافية.
فالقوة الناعمة لم تعد تُقاس فقط بالتأثير الرمزي، بل بقدرة الدول على خلق حضور دائم لمنتجاتها الثقافية داخل الأسواق الخارجية، بما يفتح لاحقًا المجال أمام التعاونات الإنتاجية والسياحية والتعليمية.
وفي حالة إسبانيا تحديدًا، تمثل السينما أحد القطاعات التي تسعى مدريد إلى توسيع انتشارها دوليًا، مستفيدة من تصاعد الاهتمام العالمي بالمحتوى غير الناطق بالإنجليزية.
وبالتالي، فإن فعاليات من هذا النوع تعمل كمنصات منخفضة التكلفة وعالية التأثير لتعزيز الحضور الثقافي الإسباني في المنطقة العربية.
الفعاليات السينمائية تعود للقاهرة
استضافة عروض نوعية داخل المراكز الثقافية الأجنبية تعكس أيضًا استمرار القاهرة كحاضنة رئيسية للأنشطة السينمائية البديلة في الشرق الأوسط، في ظل وجود قاعدة جماهيرية مهتمة بالأفلام المستقلة والسينما الأوروبية واللاتينية.
ومع تزايد الاعتماد على الفعاليات الثقافية المجانية أو منخفضة التكلفة لجذب شرائح الشباب والمهتمين بالصناعات الإبداعية، تبدو هذه العروض جزءًا من تحولات أوسع في اقتصاد الثقافة داخل المنطقة، حيث تتحول السينما تدريجيًا من منتج ترفيهي بحت إلى أداة للحوار الثقافي والتأثير المجتمعي العابر للحدود.


