لم تعد المنافسة في قطاع تحلية المياه الخليجي تدور حول إنتاج كميات أكبر من المياه فحسب، بل حول خفض تكلفة كل متر مكعب مع الحفاظ على الاستدامة التشغيلية.
وفي هذا السياق، تكشف التقنيات الجديدة لمعالجة المياه عن تحول مهم في معادلة الاستثمار والبنية التحتية، حيث باتت الكفاءة الكيميائية وإدارة المخاطر التشغيلية عاملاً حاسماً في قرارات التوسع المستقبلية للمرافق ومحطات التحلية.
ومع استمرار دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات، في ضخ استثمارات ضخمة في مشاريع الأمن المائي، يتزايد الاهتمام بالتقنيات القادرة على تقليص النفقات التشغيلية طويلة الأجل، لا سيما في ظل ارتفاع متطلبات الامتثال البيئي وتشديد المعايير المرتبطة بجودة المياه وسلامة التشغيل.
اقتصاديات جديدة لتحلية المياه
أبرز ما كشفته مشاركة شركة الإمارات للمعدات الدقيقة والكهرباء (EEIC) وشركة إميرالد إيكو تكنولوجيز في معرض الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتحلية المياه يتمثل في تسليط الضوء على تحول جوهري داخل القطاع.
فالمشغلون لم يعودوا يبحثون فقط عن حلول تقنية فعالة، بل عن نماذج تشغيلية تقلل الاعتماد على المواد الكيميائية التقليدية وتخفض تكاليف دورة الحياة الكاملة للمشروعات.
وتكتسب هذه التوجهات أهمية متزايدة في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم اعتماداً على تحلية المياه لتأمين الاحتياجات السكانية والصناعية، ما يجعل أي خفض ملموس في تكاليف التشغيل عاملاً مؤثراً في العوائد الاستثمارية للمشروعات الكبرى.
وفي هذا الإطار، برزت تقنية Aquachlor القائمة على إنتاج المؤكسدات المختلطة كأحد الحلول التي تستهدف معالجة أحد أكبر بنود الإنفاق التشغيلي المرتبطة بعمليات التطهير والتعقيم داخل محطات المياه.
المرافق تتجه إلى تقليل الكلور التقليدي
تشهد صناعة المياه العالمية تحولاً متسارعاً نحو تقنيات أكثر أماناً وأقل تعقيداً من الناحية اللوجستية، خاصة مع ارتفاع تكاليف نقل وتخزين المواد الكيميائية الخطرة ومتطلبات السلامة المرتبطة بها.
وتسعى شركات المرافق اليوم إلى تقليل المخاطر التشغيلية المرتبطة بسلاسل الإمداد الكيميائية، خصوصاً في المشروعات الضخمة التي تتطلب استمرارية تشغيلية عالية.
ومن هنا تبرز قيمة الأنظمة القادرة على إنتاج مواد التطهير في الموقع بدلاً من الاعتماد على النقل والتخزين الخارجي.
ولا يتعلق الأمر فقط بتقليل المخاطر، بل بإعادة هيكلة نموذج التكلفة بالكامل، حيث يمكن أن تتحول النفقات التشغيلية المتكررة إلى عنصر أكثر قابلية للتحكم والتنبؤ، وهو ما يمثل أولوية للمستثمرين ومطوري البنية التحتية على حد سواء.
مشروع أم القيوين.. مؤشر على اتجاه السوق المقبل
يكتسب مشروع محطة تحلية مياه البحر بالتناضح العكسي في أم القيوين أهمية خاصة باعتباره نموذجاً عملياً لاختبار الجدوى الاقتصادية للتقنيات الجديدة في مشاريع البنية التحتية الضخمة.
فالمشروع الذي تبلغ طاقته الإنتاجية نحو 684 ألف متر مكعب يومياً اختار نظام Aquachlor® بديلاً لثاني أكسيد الكلور، في خطوة تعكس التحول المتنامي نحو حلول تحقق توازناً بين الكفاءة التشغيلية ومتطلبات الاستدامة.
وإذا تحققت التقديرات المعلنة بانخفاض النفقات التشغيلية بنسبة تصل إلى 91%، فإن ذلك سيشكل مؤشراً مهماً على قدرة تقنيات المعالجة الكهروكيميائية على إعادة رسم هيكل التكلفة في قطاع التحلية، وهو ما قد يدفع مزيداً من المشروعات المستقبلية إلى تبني نماذج تشغيل مماثلة.
كما تكتسب هذه المؤشرات أهمية إضافية في ظل سعي الحكومات الخليجية إلى خفض الأعباء المالية طويلة الأجل للمرافق العامة دون التأثير على جودة الخدمات الأساسية.
الأمن المائي الإماراتي يدفع موجة الابتكار
يتقاطع هذا التوجه مع أهداف استراتيجية الأمن المائي الإماراتية 2036، التي تركز على رفع كفاءة البنية التحتية المائية وتعزيز مرونتها وتحسين استدامة الموارد.

وتكشف هذه الاستراتيجية عن توجه أوسع داخل المنطقة يتمثل في الانتقال من الاستثمار في الأصول المادية فقط إلى الاستثمار في الكفاءة التشغيلية والتقنيات الذكية القادرة على تحسين أداء الأصول القائمة.
ومن منظور استثماري، يمثل هذا التحول فرصة كبيرة للشركات المطورة للتقنيات المتخصصة في معالجة المياه، خصوصاً تلك التي تستطيع إثبات جدواها الاقتصادية عبر مشاريع تشغيلية واسعة النطاق، وليس فقط عبر التجارب المخبرية أو التطبيقات المحدودة.
الخليج يدخل مرحلة “التحلية منخفضة التكلفة”
المؤشرات الحالية توحي بأن سوق المياه الخليجي يتجه نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ”التحلية منخفضة التكلفة التشغيلية”، حيث تصبح القدرة على تقليل استهلاك المواد الكيميائية والطاقة وإطالة عمر الأصول التشغيلية عناصر تنافسية لا تقل أهمية عن الطاقة الإنتاجية للمحطات نفسها.
وفي ظل استمرار التوسع السكاني والصناعي وارتفاع الطلب على المياه، ستزداد أهمية الحلول التي توفر مزيجاً من السلامة التشغيلية والاستدامة والعائد الاقتصادي.
وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية للتقنيات الجديدة لا تكمن فقط في تحسين عمليات المعالجة، بل في قدرتها على إعادة تعريف معايير الجدوى الاقتصادية لمشاريع المياه المستقبلية، وتحويل قطاع التحلية من قطاع كثيف التكلفة إلى قطاع أكثر كفاءة وربحية واستدامة على المدى الطويل.




