أسدل أسبوع الرياض الموسيقي الستار على نسخته الثانية، محققًا ما هو أبعد من كونه حدثًا ثقافيًا أو ترفيهيًا، ليؤكد تحوّله إلى أداة اقتصادية فاعلة في إعادة تشكيل صناعة الموسيقى في المملكة العربية السعودية، وتعزيز موقع الرياض كلاعب إقليمي صاعد في الاقتصاد الإبداعي العالمي.
صناعة لا ترفيه
لم يعد أسبوع الرياض الموسيقي مجرد منصة عروض، بل بات نقطة التقاء لرأس المال الإبداعي، وصنّاع القرار، والشركات العالمية، في نموذج يعكس نضج رؤية المملكة تجاه الموسيقى بوصفها قطاعًا اقتصاديًا متكامل الأركان، يمتد من التعليم والتشريع إلى الاستثمار والإنتاج والتصدير الثقافي.
وخلال عشرة أيام، تكاملت منظومة الفعاليات التي قادتها هيئة الموسيقى، لتغطي مختلف حلقات سلسلة القيمة في الصناعة، عبر منصات مثل مؤتمر إكس بي لمستقبل الموسيقى، وقمة صنّاع الموسيقى، وبرنامج فرينج، وتكيّة، وحفل Billboard Arabia – Power Players، وصولًا إلى مهرجان ساوندستورم، في مشهد يعكس انتقال القطاع من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التوسّع المدروس.
قمة صنّاع الموسيقى
برزت قمة صنّاع الموسيقى كالعصب الاستراتيجي للأسبوع، إذ جمعت قيادات تنفيذية عالمية، ومشرّعين، ومستثمرين، وأكاديميين، وفنانين، في نقاشات تجاوزت الإبداع إلى حوكمة الصناعة، وبناء الأطر التنظيمية، وتطوير رأس المال البشري.
وأكد بول باسيفيكو، الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى، أن القمة عكست ملامح منظومة موسيقية تتشكّل اليوم في المملكة على أسس التعليم، والاستدامة، والشراكة العابرة للقطاعات، مشيرًا إلى أن الموسيقى لم تعد نشاطًا هامشيًا، بل عنصرًا فاعلًا في تعزيز الهوية الوطنية وتنمية المهارات وخلق فرص عمل جديدة.

الاستثمار طويل الأجل في البشر
في خطوة تعكس وعيًا اقتصاديًا بعيد المدى، شكّل منتدى التعليم أحد أهم محاور القمة، بمشاركة جامعات وأكاديميات ومؤسسات تعليمية دولية، ناقشت مستقبل تعليم الموسيقى في السعودية بوصفه رافعة أساسية لاستدامة القطاع.
وأسفر المنتدى عن إعداد كتاب أكاديمي موجّه للجامعات، يوثّق أفضل الممارسات العالمية في تعليم الموسيقى، ويضع أساسًا لتطوير برامج تعليمية قادرة على تزويد السوق بمختصين وفنيين وصنّاع محتوى مؤهلين، بما يحد من الاعتماد على الاستيراد المعرفي ويعزز التوطين.
ريادة أعمال بدلًا من انتظار الفرص
واصل مؤتمر إكس بي لمستقبل الموسيقى ترسيخ موقعه كمنصة لريادة الأعمال الموسيقية، عبر دعم المواهب الصاعدة، وفتح نقاشات متقدمة حول نماذج الأعمال، والتقنيات، ومستقبل التوزيع والإنتاج.
وفي إطار تحويل التراث إلى أصل اقتصادي قابل للتوظيف، أعلنت هيئة الموسيقى عن إطلاق Saudi Beats – إيقاعات موسيقية، وهي مكتبة صوتية رقمية تعتمد على تسجيلات ميدانية أصلية من منطقة عسير، على أن تشمل لاحقًا بقية مناطق المملكة، لتقديم التراث الموسيقي السعودي كمحتوى قابل للتصدير والاستخدام التجاري والإبداعي.
شراكات عالمية
جاء توقيع مذكرة تفاهم بين هيئة الموسيقى وشركة Steinway & Sons كإشارة واضحة على انفتاح السوق السعودي أمام الشراكات النوعية مع العلامات العالمية، بما يعزز نقل الخبرات ورفع جودة البنية التحتية الموسيقية.
وفي السياق ذاته، حمل حفل Billboard Arabia – Power Players بعدًا اقتصاديًا واضحًا، عبر تكريم 45 شركة و100 شخصية أسهموا في دفع عجلة صناعة الموسيقى إقليميًا، مع تكريم خاص لكل من بول باسيفيكو، ورمضان الحرتاني، الرئيس التنفيذي لشركة مدل بيست، والفنان أحمد سعد، تقديرًا لأدوارهم المؤثرة في نمو القطاع.
توسيع السوق لا النخبة
امتدت فعاليات الأسبوع إلى الفضاءات العامة في مدينة الرياض، في خطوة تهدف إلى توسيع قاعدة الجمهور وتحفيز الطلب، من خلال عروض موسيقية مفتوحة في مواقع استراتيجية مثل مركز الملك عبد الله المالي (كافد)، وحي السفارات، والدرعية، ومحطات مترو الرياض، إضافة إلى مسارح ومقاهٍ موسيقية متخصصة.
اختبار حقيقي لقوة السوق
اختُتم الأسبوع بـمهرجان ساوندستورم، الذي شكّل اختبارًا عمليًا لقدرة السوق السعودي على استيعاب الفعاليات الكبرى، بمشاركة فنانين عالميين مثل Cardi B وPost Malone وCalvin Harris، إلى جانب أسماء عربية ومحلية.
وسجّلت النسخة أرقامًا غير مسبوقة، مع تشغيل ثمانية مسارح واستقطاب أكثر من 400 ألف زائر خلال عطلة نهاية الأسبوع، في مؤشر يعكس قوة الطلب، وجدوى الاستثمار، ونضج البنية التنظيمية.
ما بعد 2025
مع اختتام أسبوع الرياض الموسيقي، تتجه الأنظار إلى عام 2026، حيث يبدو واضحًا أن الرهان لم يعد على عدد الحفلات، بل على تحويل الزخم إلى صناعة مستدامة، عبر تعميق الشراكات الدولية، وتوسيع المسارات المهنية، وتطوير التعليم، وبناء سوق موسيقي قادر على المنافسة إقليميًا وعالميًا.
أسبوع الرياض الموسيقي حدث يمتد لعشرة أيام يُقام في مدينة الرياض، ويهدف إلى تطوير قطاع الموسيقى في المملكة العربية السعودية بوصفه جزءًا من الاقتصاد الإبداعي، عبر دعم المواهب، وتعزيز التعليم، وبناء الشراكات، وتحويل الموسيقى إلى صناعة مستدامة ذات أثر اقتصادي ومجتمعي.




