انطلاق المؤتمر الدولي الأول للغذاء والتغذية بجامعة الإسكندرية يكشف عن توجهات جديدة لتعزيز سلامة الغذاء، ودعم الأمن الغذائي، ورفع تنافسية الصناعات الغذائية عبر الابتكار والتكنولوجيا.
في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، لم تعد قضية سلامة الغذاء مجرد شأن صحي أو رقابي، بل أصبحت ركيزة استراتيجية ترتبط مباشرة بمستقبل الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي. وفي هذا السياق، يبرز انعقاد المؤتمر الدولي الأول للغذاء والتغذية في جامعة الإسكندرية كمنصة علمية واقتصادية تعكس توجه الدولة نحو تعزيز منظومة الغذاء المستدام، ودمج الابتكار التكنولوجي مع السياسات التنظيمية، بما يدعم قدرة السوق المصري والعربي على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
سلامة الغذاء.. من الرقابة إلى المحرك الاقتصادي
شهد المؤتمر، الذي نظمته الهيئة القومية لسلامة الغذاء، حضورًا واسعًا من الخبراء والباحثين وممثلي القطاعين العام والخاص، في دلالة واضحة على تنامي أهمية القطاع الغذائي كأحد أعمدة الاقتصاد.
وأكد الدكتور طارق الهوبي أن مفهوم سلامة الغذاء لم يعد يقتصر على الرقابة التقليدية، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في تعزيز تنافسية المنتجات الغذائية، خاصة في ظل اشتداد المنافسة العالمية وارتفاع معايير الجودة. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاستثمار في جودة الغذاء ينعكس مباشرة على فرص التصدير وجذب الاستثمارات.
تحديات عالمية تضغط على سلاسل الإمداد
تأتي أهمية المؤتمر في توقيت حساس يشهد اضطرابات متلاحقة في سلاسل الإمداد العالمية، نتيجة التغيرات المناخية والتوترات الاقتصادية الدولية، إلى جانب التطور السريع في تقنيات التصنيع الغذائي.
هذه العوامل تفرض على الدول إعادة هيكلة سياساتها الغذائية، بما يضمن تحقيق التوازن بين توافر الغذاء وجودته واستدامته. وهنا تبرز الحاجة إلى تبني نماذج تنظيمية أكثر مرونة، قادرة على مواكبة التطورات التكنولوجية، دون الإخلال بمعايير السلامة.
رؤية متكاملة لصناعة غذائية مستدامة
تعكس استراتيجية الهيئة توجهًا نحو بناء منظومة غذائية حديثة قائمة على التوازن بين الرقابة الصارمة وتشجيع الابتكار. هذا التوجه يمثل تحولًا نوعيًا في إدارة القطاع، حيث لم يعد الهدف مجرد الامتثال، بل خلق بيئة محفزة للنمو الصناعي.
كما يسلط الضوء على أهمية الشراكة بين الجهات التنظيمية ومؤسسات البحث العلمي والقطاع الخاص، باعتبارها حجر الأساس لتطوير الصناعات الغذائية، ورفع كفاءتها الإنتاجية، وتحسين قدرتها على التكيف مع المتغيرات العالمية.
سلامة الغذاء والتنمية الزراعية..
أشار الدكتور عادل رحومة، رئيس منظمة الاتحاد العربي لتنمية المجتمعات العمرانية، إلى أن سلامة الغذاء تمثل نقطة الانطلاق نحو تحقيق الأمن الغذائي العربي، مؤكدًا أن تطوير القطاع الزراعي هو المدخل الحقيقي لضمان جودة الغذاء.
وأوضح أن تبني ممارسات زراعية حديثة، مدعومة بالتكنولوجيا، يسهم في تحسين جودة الإنتاج وتقليل المخاطر الصحية، وهو ما ينعكس إيجابيًا على الاقتصاد من خلال تقليل الفاقد وزيادة الإنتاجية.
الوعي المجتمعي وسلاسل الإمداد الذكية
لا يقتصر تحقيق سلامة الغذاء على الجانب المؤسسي فقط، بل يمتد ليشمل رفع الوعي المجتمعي، وتعزيز ثقافة الغذاء الآمن بين المستهلكين. كما أن إحكام الرقابة على سلاسل الإمداد وتطبيق المعايير الدولية يمثلان عاملين حاسمين في تقليل المخاطر وضمان استقرار السوق.
ويبرز هنا دور التحول الرقمي في تطوير سلاسل الإمداد، من خلال استخدام تقنيات مثل التتبع الذكي وتحليل البيانات، بما يرفع من كفاءة المنظومة ويقلل من الهدر.
الابتكار والتكنولوجيا يقودان مستقبل الغذاء
تضمن المؤتمر برنامجًا علميًا متقدمًا ناقش قضايا محورية، أبرزها دمج الابتكار مع الأطر التنظيمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في سلامة الغذاء، إلى جانب التكنولوجيا الحيوية والتغليف الذكي.
هذه المحاور تعكس اتجاهًا عالميًا نحو إعادة تعريف صناعة الغذاء، بحيث تصبح أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا، وأكثر قدرة على تحقيق الاستدامة، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
توصيات تعزز السياسات الغذائية
خرج المؤتمر بحزمة من التوصيات التي تستهدف تطوير السياسات الغذائية، وتعزيز كفاءة منظومة سلامة الغذاء، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة.
وتؤكد هذه التوصيات على ضرورة تبني سياسات متكاملة تربط بين الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي والتوزيع، بما يضمن تحقيق التوازن بين العرض والطلب، ودعم الاقتصاد الوطني، وتحسين جودة الحياة.



