أخبار مصرالمجتمع

“بنية الاستقلال”.. هومزمارت توظّف اقتصاد الأثاث و تتحول إلي استثمار في الاستقرار الاجتماعي

في وقت تتجه فيه الشركات الكبرى إلى إعادة تعريف مفهوم المسؤولية المجتمعية بعيداً عن المبادرات الرمزية قصيرة الأجل، تكشف خطوة شركة Homzmart عن تحوّل أكثر عمقاً في طريقة توظيف القطاع الخاص لرأس المال الاجتماعي داخل السوق المصرية.

فإطلاق مبادرة لتطوير وتجديد 12 داراً للأيتام وبيوت الرعاية اللاحقة خلال 2026، بالشراكة مع Sanad ومبادرة Hin Initiative، لا يعكس مجرد نشاط خيري تقليدي، بل يفتح الباب أمام نموذج اقتصادي جديد يقوم على دمج سلاسل القيمة التجارية مع منظومات الرعاية والتنمية الاجتماعية.

التحرك يأتي في توقيت يشهد تصاعداً في أهمية معايير الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG) داخل قرارات المستثمرين والشركات الناشئة، خاصة في قطاعات التكنولوجيا الاستهلاكية والتجزئة الرقمية.

ومن هنا، تبدو المبادرة أقرب إلى إعادة تموضع استراتيجي يربط بين النمو التجاري وبناء “أثر اجتماعي قابل للقياس”، وهو اتجاه بات يحظى بأهمية متزايدة لدى المؤسسات التمويلية وصناديق الاستثمار ذات البعد التنموي.

اقتصاد الرعاية الاجتماعية

اللافت في المبادرة ليس فقط حجم التدخل أو عدد دور الرعاية المستهدفة، بل التركيز الواضح على “بيوت الرعاية اللاحقة”، وهي المرحلة التي ينتقل فيها الشباب بعد تجاوز سن 18 عاماً إلى محاولة بناء حياة مستقلة خارج الإطار المؤسسي التقليدي.

اقتصادياً، تمثل هذه المرحلة إحدى أكثر النقاط هشاشة داخل منظومة الرعاية الاجتماعية، إذ يتحول الشباب فجأة من الاعتماد المؤسسي الكامل إلى مواجهة سوق العمل والسكن وتكاليف المعيشة دون شبكات دعم أسرية مستقرة.

ولذلك فإن توفير بيئة سكنية مجهزة وعملية لا يحمل بعداً إنسانياً فقط، بل يقلل أيضاً من احتمالات التعثر الاجتماعي والاقتصادي لاحقاً.

هنا يظهر البعد الأعمق لتحرك “هومزمارت”: الشركة لا تقدم أثاثاً فحسب، بل تعيد بناء “البنية الأساسية للحياة المستقلة”، وهو مفهوم بات يحظى باهتمام متزايد في أدبيات التنمية الحضرية والرعاية البديلة عالمياً.

«هومزمارت» نموذج أعمال “اقتصاد الأثر”

ومنذ تأسيسها عام 2019، بنت Homzmart نموذجها على الدمج بين التكنولوجيا وتجربة الأثاث والديكور المنزلي. لكن المبادرة الحالية تكشف اتجاهاً جديداً يتمثل في توظيف البنية التشغيلية للشركة — من سلاسل التوريد وحتى حلول التصميم والتجهيز — داخل مشاريع ذات بعد اجتماعي مباشر.

هذا التحول يعكس اتجاهاً عالمياً متنامياً بين الشركات الرقمية التي تسعى إلى تعظيم “القيمة المجتمعية” الناتجة عن نشاطها الأساسي، بدلاً من الاكتفاء بمخصصات تبرعية منفصلة عن نموذج الأعمال.

وفي هذا السياق، تبدو الشراكة مع جمعية “سند” ذات أهمية استراتيجية؛ فالجمعية تمتلك خبرة تراكمية في تطوير معايير الرعاية البديلة وتأهيل الشباب للاستقلال، بينما تمتلك “هومزمارت” القدرة التنفيذية والتقنية المتعلقة بتجهيز المساحات السكنية.

وبالتالي فإن التكامل بين الخبرة الاجتماعية والبنية التجارية يمنح المبادرة قابلية أكبر للاستدامة والتوسع مستقبلاً.

المسؤولية المجتمعية و“القياس الاقتصادي”

التحولات التي يشهدها سوق الاستثمار الإقليمي تشير إلى أن تقييم الشركات لم يعد قائماً فقط على معدلات النمو والإيرادات، بل بات يشمل قدرتها على إدارة الأثر الاجتماعي وخلق قيمة طويلة المدى للمجتمعات المحيطة بها.

ومن هذه الزاوية، تحمل مبادرة “هومزمارت” رسائل متعددة للمستثمرين

أولاً، قدرة الشركة على بناء شراكات مؤسسية مع كيانات مجتمع مدني ذات ثقل تنظيمي.

ثانياً، توسيع مفهوم العلامة التجارية من منصة تجارة إلكترونية إلى فاعل تنموي داخل المجتمع.

ثالثاً، تعزيز عناصر الثقة والسمعة المؤسسية، وهي عوامل أصبحت ذات وزن متزايد في تقييم الشركات الناشئة القابلة للتوسع.

كما أن المبادرة تعكس تحولاً أوسع في السوق المصرية نحو دمج القطاع الخاص في ملفات الرعاية والتنمية، خصوصاً مع تنامي الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكلفة الخدمات الاجتماعية التقليدية.

“حِن”.. وسيط اجتماعي

ضمن الأبعاد المهمة للمبادرة أيضاً، يبرز دور مبادرة Hin Initiative كحلقة وصل بين القطاع الخاص والمجتمع المدني، وهو نموذج بدأ يكتسب زخماً داخل السوق المصرية خلال

السنوات الأخيرة.

فبدلاً من اقتصار العمل التطوعي على الأنشطة الموسمية، تتجه بعض المبادرات إلى لعب دور “المنسق الاجتماعي” القادر على تحويل الاحتياجات المجتمعية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ المؤسسي، وهو ما ظهر عبر مساهمتها في رصد احتياجات دور الرعاية وتنظيم حملات ميدانية مثل “إفطار في الدار”.

هذا النمط من الوساطة المجتمعية يعزز من كفاءة توجيه الموارد، ويقلل الفجوة التقليدية بين الشركات والاحتياجات الحقيقية على الأرض، وهو ما يرفع من العائد الاجتماعي للاستثمارات المجتمعية.

سوق جديد للاستثمار الاجتماعي في مصر

المبادرة تعكس مؤشراً على تحول أكبر قد يشهده السوق المصري خلال السنوات المقبلة، حيث تتداخل التكنولوجيا، والتجزئة الرقمية، والخدمات المجتمعية ضمن نموذج اقتصادي أكثر شمولاً.

ومع تزايد اهتمام المؤسسات الدولية وصناديق التمويل بمشروعات “الأثر القابل للقياس”، قد تصبح مثل هذه الشراكات جزءاً من أدوات التقييم الاستثماري للشركات، لا مجرد أنشطة جانبية للعلاقات العامة.

في هذا السياق، فإن نجاح المبادرة لن يُقاس فقط بعدد الغرف التي جرى تطويرها أو قطع الأثاث التي تم توفيرها، بل بقدرتها على خلق نموذج مستدام يعيد تعريف العلاقة بين الشركات الناشئة والتنمية الاجتماعية في مصر.