أخبار مصراقتصاد

1.3 مليار دولار ليس الرقم الأهم.. مؤسسات التمويل التنموي تراهن على مصر في إعادة تشكيل الاقتصاد

في وقت تتجه فيه العديد من الاقتصادات الناشئة إلى سياسات أكثر تحفظاً بفعل ارتفاع تكلفة التمويل العالمية وتزايد الضغوط الجيوسياسية، تكشف الاستراتيجية الجديدة للمؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي (BII) في مصر عن قراءة مختلفة لمسار السوق المصرية.

والقضية الأن لم تعد تتعلق فقط باستثمارات تراكمية بلغت نحو 1.3 مليار دولار منذ عام 2012، بل بموقع مصر داخل خريطة إعادة توزيع رؤوس الأموال التنموية التي تبحث عن أسواق قادرة على الجمع بين الإصلاح الاقتصادي، والقاعدة الصناعية، وفرص التحول الأخضر.

 

ويأتي الإعلان عن الاستراتيجية الجديدة في توقيت تتسابق فيه الحكومات ومؤسسات التمويل الدولية على تحديد الاقتصادات القادرة على استقطاب الاستثمارات طويلة الأجل، ما يجعل التحركات الأخيرة للمؤسسة البريطانية مؤشراً على كيفية نظر المستثمر التنموي العالمي إلى المرحلة المقبلة من الاقتصاد المصري.

 

منصة استثمارية للإصلاح الاقتصادي

 

على مدار السنوات الماضية، ارتبطت استثمارات مؤسسات التمويل التنموي غالباً بسد فجوات التمويل أو دعم القطاعات الحيوية. إلا أن الاستراتيجية الجديدة للمؤسسة البريطانية تعكس تحولاً أكثر عمقاً، حيث باتت الاستثمارات موجهة نحو دعم التحولات الهيكلية للاقتصاد وليس مجرد تمويل المشروعات.

 

وتشير أولويات المؤسسة في مصر إلى تركيز واضح على القطاعات القادرة على رفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد، بما يشمل الصناعة والطاقة والزراعة والخدمات المالية والتصدير. وهي قطاعات ترتبط مباشرة بأهداف الدولة الرامية إلى زيادة مساهمة الأنشطة الإنتاجية في الناتج المحلي الإجمالي وتقليل الاعتماد على مصادر النمو قصيرة الأجل.

 

من هذا المنظور، تبدو مصر بالنسبة للمؤسسة البريطانية سوقاً لإعادة بناء قواعد النمو الاقتصادي المستدام، وليس مجرد وجهة استثمارية تقليدية تبحث عن تدفقات رأسمالية جديدة.

 

التمويل التنموي أداة لحشد رأس المال الخاص

 

أحد أهم المؤشرات التي تبرزها الاستراتيجية الجديدة يتمثل في استهداف ضخ 9 مليارات جنيه إسترليني في أفريقيا خلال السنوات الخمس المقبلة، منها 5 مليارات جنيه إسترليني فقط من الموارد الذاتية للمؤسسة، بينما يُنتظر جذب الجزء المتبقي من القطاع الخاص.

 

هذه المعادلة تكشف تحولاً متزايداً في دور مؤسسات التمويل التنموي عالمياً؛ إذ لم تعد تُقاس فعاليتها بحجم الأموال التي تضخها مباشرة، بل بقدرتها على تخفيض المخاطر وخلق بيئة استثمارية تسمح لرؤوس الأموال الخاصة بالدخول إلى قطاعات كانت تُعتبر سابقاً مرتفعة المخاطر.

 

وبالنسبة لمصر، فإن هذا التوجه يحمل أهمية خاصة، إذ يتماشى مع جهود الحكومة لزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتحويل التمويل التنموي من مصدر للسيولة إلى محفز لاستثمارات أكبر وأكثر استدامة.

 

الطاقة الخضراء.. قيمة مصرية جديدة

 

تكشف خريطة استثمارات المؤسسة البريطانية خلال السنوات الماضية عن توجه واضح نحو التمويل المناخي، حيث استحوذت المشروعات المرتبطة بالتحول الأخضر على أكثر من نصف استثماراتها في مصر.

 

ولا يقتصر الأمر على دعم مشروعات الطاقة المتجددة فحسب، بل يرتبط بمتغير أوسع يشهده الاقتصاد العالمي، يتمثل في إعادة توجيه التدفقات الاستثمارية نحو الأصول المتوافقة مع معايير الاستدامة والحياد الكربوني.

 

وفي هذا السياق، تكتسب مشروعات مثل مزرعة رياح خليج السويس ومشروعات الطاقة الشمسية والتخزين أهمية تتجاوز إنتاج الكهرباء، لأنها تضع مصر ضمن الأسواق القادرة على استقطاب رؤوس الأموال المناخية العالمية، وهي واحدة من أسرع فئات الاستثمار نمواً خلال العقد الحالي.

 

ومع استهداف مصر توليد 42% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2030، يصبح قطاع الطاقة الخضراء أحد أهم الجسور التي تربط الاقتصاد المصري بتوجهات المستثمرين الدوليين في المرحلة المقبلة.

 

الصناعة والخدمات اللوجستية

 

اللافت في الاستراتيجية الجديدة أنها لا تركز فقط على تمويل القطاعات الإنتاجية، بل تربطها بالبنية التحتية التجارية واللوجستية اللازمة لتعظيم أثرها الاقتصادي.

 

فدعم تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية يعكس فهماً متزايداً بأن تنافسية الصناعة لم تعد مرتبطة فقط بتكاليف الإنتاج، بل بسرعة النفاذ إلى الأسواق العالمية والاندماج في سلاسل القيمة الدولية.

 

ويتزامن ذلك مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للصناعة التي تسعى إلى رفع مساهمة القطاع الصناعي إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030. وبالتالي، فإن الاستثمار في البنية التحتية لم يعد قطاعاً مستقلاً، بل أصبح جزءاً من منظومة تهدف إلى تعزيز القدرة التصديرية للاقتصاد المصري.

 

تعميق القطاع المالي كشرط للنمو المستدام

 

بعيداً عن المشروعات الكبرى، تعكس شراكات المؤسسة مع البنوك المصرية توجهاً موازياً يستهدف توسيع قاعدة المستفيدين من التمويل، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال.

 

ويكتسب هذا المسار أهمية استراتيجية لأن النمو الاقتصادي المستدام لا يتحقق فقط عبر الاستثمارات الضخمة، بل من خلال توسيع قدرة القطاع الخاص على الوصول إلى التمويل والتوسع وخلق فرص العمل.

 

كما أن دعم الفئات الأقل حصولاً على الخدمات المالية، وفي مقدمتها النساء، ينسجم مع التوجه العالمي لربط التنمية الاقتصادية بالشمول المالي ورفع معدلات المشاركة الاقتصادية.

 

قراءة استثمارية

 

بعيداً عن الأرقام المعلنة، تحمل الاستراتيجية الجديدة للمؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي رسالة أكثر أهمية للمستثمرين: مؤسسات التمويل التنموي العالمية لا تزال ترى في مصر سوقاً قادرة على استيعاب رؤوس الأموال طويلة الأجل، بشرط استمرار مسار الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز دور القطاع الخاص.

 

كما تكشف الاستراتيجية عن تحول في طبيعة الفرص الاستثمارية نفسها، حيث تنتقل الأولوية من القطاعات الدفاعية التقليدية إلى قطاعات الإنتاج والتصدير والطاقة الخضراء والبنية التحتية المالية واللوجستية.

 

وفي ظل المنافسة المتزايدة بين الأسواق الناشئة على جذب رؤوس الأموال الدولية، فإن قدرة مصر على تحويل هذه التدفقات التنموية إلى استثمارات خاصة أوسع نطاقاً ستكون العامل الحاسم في تحديد موقعها داخل الخريطة الاستثمارية الإقليمية خلال السنوات المقبلة.